رباط المسلمين في المسجد الأقصى المبارك عبادة وجهاد في سبيل الله

الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس

في الآونة الأخيرة بدأت إسرائيل حرباً من نوع جديد على أبناء شعبنا الفلسطيني ، حرباً مزدوجة ضد المسجد الأقصى المبارك وضد المرابطين والمرابطات فيه ، فقد دعت جهات رسمية في حكومة نتانياهو إلى إعلان هؤلاء المرابطين والمرابطات جمعيات غير مُرخصة وخارجة عن القانون ، وتذرعت بأنهم يسدون الطريق بوجه الجماعات اليهودية والشخصيات السياسية والدينية الإسرائيلية الذين يقتحمون المسجد الأقصى المبارك بدعم حكومة الاحتلال وأذرعها العسكرية ، وبأنهم يتصدون لمن يواصلون انتهاك حرمته والمساس بقدسيته بأداء صلواتهم التلمودية في ساحاته ، وبمنع المصلين المسلمين دخوله والصلاة فيه حتى من المقدسيين ومن أبناء الأرض المحتلة عام 48 ، وكأن المطلوب من أبناء شعبنا الرضوخ لهذا الأمر الواقع الذي تحاول سلطات الاحتلال الإسرائيلية فرضه للاستفراد بقبلة المسلمين الأولى ، وأنْ ليس لهم إلا السكوت والاستسلام بل والرضا بهذه الخطوة المرحلية بتقسيمه زمانياً ثم مكانياً تمهيداً لتحويله إلى كنيس يهودي وهدمه فيما بعد لإقامة الهيكل المزعوم في مكانه .
14414444401653049360
وتأتي خطورة هذه الخطوة بأنها شرعنة لعمليات الاقتحام اليومية المكثفة للمسجد الأقصى المبارك من قبل الجيش والشرطة والمخابرات لحماية الجماعات والشخصيات اليهودية ، وبأنها أيضاً شرعنة لملاحقة هؤلاء المرابطين والمرابطات وإصدار القرارات العقابية ضدهم من مهاجمتهم بمختلف أنواع الأسلحة وإطلاق الرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز عليهم أو ضربهم أو اعتقالهم أو إبعادهم عن المسجد ووصفهم بالإرهابيين ، وما علمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أن كل هذه الإجراءات التعسفية لن تثني هؤلاء المرابطين والمرابطات عن حماية مسرى الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولن تمنعهم التصدي للمخططات التآمرية ضد ثالث المسجدين الذي قرر الله عز وجل إسلاميته من فوق سبع سماوات ، فهم يعلمون جيداً الحكم الشرعي للرباط وفضله ومخاطر التوقف عنه وبالأخص في بلاد الشام وفلسطين .

وأصل الرباط من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطاً فارساً كان أو راجلاً . وقيل الرباط مصدر رابَطَ بمعنى لازَمَ، وقيل هو اسم لما يُرْبَطُ من الشيء أي يشد ، فكأنه يربط نفسه عما يشغله عن ذلك ، أو أنه يربط فرسه التي يقاتل عليها . فالمقصود من المرابطة ملازمة الثغر ومراقبة العدوّ لتأمين حدود البلاد الإسلامية ولصيانتها عن دخول الأعداء إلى داخلها ولحماية وحراسة المسلمين وترك كل ما يشغله عن ذلك ، ولا شك بأن المسجد الأقصى المبارك الآن هو من أكبر وأخطر ثغور الأمة الإسلامية . فالرباط إذن الإقامة في الثغور وهي الأماكن التي يُخَافُ على أهلها أعداءَ الإسلام ، والمرابط هو المقيم في هذه الثغور ؛ المعدُّ نفسَه للجهاد في سبيل الله والدفاع عن دينه ووطنه ومقدساته ، قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله : الرِّبَاطُ مُلَازَمَة الْمَكَان الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ .

وأما فضل الرباط في سبيل الله فقد قال الله سبحانه وتعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } آل عمران : 200 ، في الآية الكريمة أمر الله عز وجل المؤمنين بمقتضى إيمانهم بأوامرَ أربع هي سبب الفلاح الذي يقوم على أساس حصول المطلوب والنجاة من المرهوب :

* الصبر عن المعصية بأن يتركوا محارم الله وألَّا يفعلوها ، وبأن يتجنبوها ولا يقربوها ، فإذا دعتهم أنفسهم إلى المعصية فليصبروا وليحبسوها عنها ؛ لأن الصبر عن المعصية لا يكون إلا حيث دعت إليها النفس .

* المصابرة على الطاعة لأن فيها أمران : الأول فعلٌ يتكلف به الإنسان ويُلزمُ نفسه به ، والثاني ثقلٌ على النفس لأن فعل الطاعة كترك المعصية ثقيل على النفوس الأمارة بالسوء ؛ لذا كان الصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية .

* المرابطة بكثرة الخير وتتابعه وملازمته والاستمرار عليه وكثرة فعله ، وهذا هو المعنى العام والأساسي للمرابطة .

* التقوى التي تعم الثلاثة السابقة كلها وتشملها ؛ لأن التقوى هي اتخاذ ما يقي من عقاب الله ، ولا يكون هذا إلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي .

ولأهمية الرباط في سبيل الله وفضله ترك كثير من الصحابة مكة المكرمة والمدينة المنورة وتوجهوا إلى أرض الرباط في الشام وبيت المقدس ، ومن ورائهم سار التابعون إلى أن قتلوا شهداء ومرابطين ودفنوا فيهما ، وتلك قبورهم شاهدة ، فهذا أبو هريرة رضي الله عنه كان من المرابطين في (يافا) على ساحل البحر فقال [ رباط هذه الليلة أحب إلي من قيام ليلة القدر في بيت المقدس ] ولعله سمع قوله صلى الله عليه وسلم { حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يُقامُ ليلها ويُصامُ نهارها } رواه الحاكم وصححه ، وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول [ فرض الله الجهاد لسفك دماء المشركين وفرض الرباط لحقن دماء المسلمين , وحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين ] .
وقد كثرت الأحاديث النبوية في الرباط وفضله وأجره :

* قال صلى الله عليه وسلم { رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها ، وموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها ، بل هو خيرٌ من صيام شهر وقيامه ، ورباط شهرٍ خيرٌ من صيام الدهر } رواه البخاري .

* وقال أيضاً { رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل ، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان } رواه مسلم . ، قال القرطبي رحمه الله معلقاً على الحديث [ يعني في حال الرباط جرى عليه عمله الذي كان يعمله في حال رباطه وأجر رباطه ] ، وقال الإمام النووي رحمه الله معلقاً أيضاً [ هذه فضيلةٌ ظاهرةٌ للمرابط ، وجريان عمله بعد موته فضيلةٌ مختصةٌ به لا يشاركه فيها أحد ، وقد جاء صريحاً في أحاديث أخرى : حديث { رباط شهر خير من صيام دهر ، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن الفزع الأكبر وغُدِيَ عليه ورِيحَ برزقه من الجنة ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله عز وجل } رواه الطبراني وصححه الألباني ، وحديث { كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه يُنمى له عمله إلى يوم القيامة ويُؤمَن من فتنة القبر } رواه أبو داود ] .

* وحديث { عينان لا تمسهما النار عين بكت خشية من الله وعين باتت تحرس في سبيل الله } رواه الترمذي
أما عن المرابطة في بلاد الشام وبيت المقدس فإن القدس حقاً أرض الرباط والجهاد ؛ فكم شهدت أرضها معارك وملاحم تسابق فيها المسلمون لتحقيق وعد الله إما النصر وإما الشهادة ؟ وكم رويت أرضها بدماء المجاهدين الأبرار والقادة الأخيار والعلماء والشهداء ؟ فللرباط في بيت المقدس وأكنافه فضل عظيم ؛ فهو من أوكد الرباط في سبيل الله عز وجل .

ويقيناً أن المرابطين والمرابطات في بيت المقدس وأكنافه إذا أخلصوا عملهم لله تعالى ـ ونحسبهم كذلك ـ فإنهم من الطائفة الظاهرة المقيمة على الحق كما أخبر صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أمامة رضي الله عنه { لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأواء (أي شدة وضيق في المعيشة) حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك ، قالوا وأين هم ؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس } رواه الطبراني ، وفي حديث أبي هريرة { يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم ظاهرين إلى يوم القيامة ] رواه الطبراني .

وبما الرباط هو اللزوم والمداومة والثبات على المبدأ الطاهر والصبر عليه حتى الممات ، وأنه يبدأ من لزوم العبادة الخالصة والطاعة، فهذا المعنى العام للرباط الذي أشار إليه بعض العلماء بأنه المرابطة على الصلاة وانتظارها واحدة بعد واحدة ، وهذا المعنى تضمنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم { ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟” قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطى إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط } رواه مسلم .

إذن فالمرابطين والمرابطات ليسوا فقط في حالة جهاد ومجاهدة وصبر ومصابرة ومرابطة فقط ، بل هم قبل ذلك في حالة عبادة تامة وطاعة كاملة لله عز وجل ، لذا فهم يفتقرون إلى دعم ومؤازرة وإسناد من العرب والمسلمين كافة حكاماً وشعوباً ومؤسسات ؛ لأنهم رأس الحربة في الدفاع عن شرفهم وكرامتهم بصدورهم العارية ؛ بينما الأمة صامتة أو مشغولة بمشاكلها الداخلية التي خلقها العدو ليصرفها عن قضيتها الأساسية ؛ وهي قضية فلسطين المركزية ومحورها المسجد الأقصى المبارك .

 

شاهد أيضاً

20161130-8172853500267

الكنيست تصوت اليوم على مشروع “قانون المؤذن”

 تصوت الكنيست اليوم بالقراءة التمهيدية على مشروع “قانون المؤذن” والذي يحظر استخدام مكبرات الصوت في ...

X أغلق
X أغلق